علي بن أحمد المهائمي

248

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

خَيْراً كَثِيراً [ البقرة : 269 ] ( التي لم يجئ الرسول المعلوم ) لغير ربه عن رسول الإلهام في الباطن ( بها في ) حق ( العامة بالطريقة الخاصة المعلومة ) أي : طريقة الاستدلال في العرف أي : عرف الفقهاء ، وإن جاء بها في حق الخاصة بلسان الخاصة بطريق الكشف والذوق ، وذلك لكونها شاقة على العامة وراحة للخاصة . ( فلما وافقت الحكمة ) وليس المراد بها الفلسفة بل ( المصلحة الظاهرة فيها ) ، أي في تلك النواميس لأهل القلوب ( الحكم الإلهي ) الذي ورد به الشرع ( في المقصود بالوضع المشروع الإلهي ) ؛ لكون معانيها مستنبطة من معاني المشروع ، ( اعتبرها اللّه اعتبار ما شرعه من عنده ) ، فقال : فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ [ الحديد : 27 ] ، ولكن مع هذا ( ما كتبها اللّه عليهم ) لجريان سنته ألا يكتب على المكلفين إلا ما يطيقه الكل ، وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ الحج : 78 ] ؛ فدل هذا على أنها مع عدم كتابتها عليهم لم يجعلوها من البدع المستقبحة لعدم منافاتها الشرع . [ ولمّا فتح اللّه تعالى بينه وبين قلوبهم باب العناية والرّحمة من حيث لا يشعرون جعل في قلوبهم تعظيم ما شرّعوه يطلبون بذلك رضوان اللّه على غير الطّريقة النّبويّة المعروفة بالتّعريف الإلهي ؛ فقال : فَما رَعَوْها هؤلاء الّذين شرّعوها وشرّعت لهم حَقَّ رِعايَتِها إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ [ الحديد : 27 ] ] ، ولذلك اعتقدوا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا بها مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ أي من هؤلاء الّذين شرّع فيهم هذه العبادة فاسِقُونَ [ الحديد : 27 ] ، أي : خارجون عن الانقياد إليها والقيام بحقّها ، ومن لم ينقد إليها لم ينقد إليه مشرّعه بما يرضيه ، لكنّ الأمر يقتضي الانقياد ، وبيانه أنّ المكلّف إمّا منقاد بالموافقة وإمّا مخالف ؛ فالموافق المطيع لا كلام فيه لبيانه ؛ وأمّا المخالف ؛ فإنّه يطلب بخلافه الحاكم عليه من اللّه أحد أمرين إمّا التّجاوز والعفو ، وإمّا الأخذ على ذلك ، ولا بدّ من أحدهما لأنّ الأمر حقّ في نفسه ، فعلى كلّ حال قد صحّ انقياد الحقّ إلى عبده لأفعاله وما هو عليه من الحال ، فالحال هو المؤثّر ] . ثم أشار إلى أنها مع عدم كتابتها عليهم عظموها من حيث ما فيها من العزائم التي يقصدها الرجال ، وما ينكشف به أسرار المكتوب عليهم وبواطنه ، فقال : ( ولما فتح اللّه بينه ) أي بين جنابه الرفيع ( وبين قلوبهم باب العناية والرحمة ) كما قال : وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً [ الحديد : 27 ] ( مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ [ النحل : 26 ] ) لا لكونه بطريق الجذب الإلهي الذي جذبه منه توازي عمل الثقلين ، ( جعل في قلوبهم تعظيم ما